المقريزي

115

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

أباح النداء ، يعني لما تم ست عشرة ذراعا ، وكسر الخليج فتأمّل ما أبدع هذه السياسة ؛ فإنّ الناس دائما إذا توقف النيل في أيام زيادته ، أو زاد قليلا يقلقون ، ويحدّثون أنفسهم بعدم طلوع النيل ، فيقبضون أيديهم على الغلال ، ويمتنعون من بيعها رجاء ارتفاع السعر ، ويجتهد من عنده مال في خزن الغلة ؛ إما لطلب السعر ، أو لطلب ادّخار قوت عياله ، فيحدث بهذا الغلاء . فإن زاد الماء انحلّ السعر وإلا كان الجدب والقحط ففي كتمان الزيادة عن العامّة أعظم فائدة ، وأجلّ عائدة . وقال المسبحي « 1 » في تاريخ مصر : وخرج أمر صاحب القصر إلى ابن حيران بتحرير ما يستفتح به القياسون كلامهم إذا نادوا على النيل ، فقال : نعم لا تحصى من خزائن اللّه لا تفنى زاد اللّه في النيل المبارك كذا ، ومن عادة نيل مصر إذا كان عند ابتداء زيادته اخضرّ ماؤه ، فتقول عامّة أهل مصر : قد توحم النيل ، ويرون أن الشرب منه حينئذ مضر . ويقال في سبب اخضراره : إنّ الوحوش سيما الفيلة ترد البطيحات التي في أعالي النيل ، وتستنقع فيها مع كثرة عددها لشدّة الحرّ هناك ، فيتغير ماء تلك البطيحات ، فإذا وقع المطر في الجهة الجنوبية في أوقاته عندهم تكاثرت السيول حينئذ في البطيحات ، فخرج ما كان فيها من الماء الذي قد تغير ، ومرّ إلى مصر ، وجاء عقيبه الماء الجديد ، وهو الزيادة بمصر وحينئذ يكون الماء محمرّا لما يخالطه من الطين الذي تأتي به السيول فإذا تناهت زيادته غشي أرض مصر ، فتصير القرى التي في الأقاليم فوق التلال والروابي ، وقد أحاط بها الماء ، فلا يتوصل إليها إلا في المراكب ، أو من فوق الجسور الممتدّة التي يصرف عليها إذا عملت كما ينبغي ربع الخراج ليحفظ عند ذلك ماء النيل حتى ينتهي ريّ كل مكان إلى الحدّ المحتاج إليه ، فإذا تكامل ريّ ناحية من النواحي قطع أهلها الجسور المحيطة بها من أمكنة معروفة عند خولة البلاد ، ومشايخها في أوقات محدودة لا تتقدّم ، ولا تتأخر عن أوقاتها المعتادة على حسب ما يشهد به قوانين كل ناحية من النواحي ، فتروى كل جهة مما يليها مع ما يجتمع فيها من الماء المختص ؛ ولولا إتقان ما هنالك من الجسور ، وحفر الترع والخلجان لقل الانتفاع بماء النيل كما قد جرى في زماننا هذا . وقد حكى أنه كان يرصد لعمارة جسور أراضي مصر في كل سنة ثلث الخراج لعنايتهم في القديم بها من أجل أنه يترتب على عملها ريّ البلاد الذي به مصالح العباد ، وستقف إن شاء اللّه تعالى عن قريب على ما كان من أعمال القدماء ، ومن بعدهم في ذلك ، وكان للمقياس في الدولة الفاطمية رسوم لكنس مجاري الماء خمسون دينارا في كل سنة تطلق لابن أبي الردّاد .

--> ( 1 ) المسبحي : محمد بن عبيد اللّه بن أحمد المسبحي : أمير مؤرخ عالم بالأدب أصله من حران . مولده بمصر سنة 361 ه ووفاته بها سنة 420 ه . الأعلام ج 6 / 259 .